عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

94

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ولهذا قال : وفي العرش تمثال جميع ما خلق اللّه تعالى . أي فيه بالقوة ، ثم يخرج منه إلى الفعل بالتدريج فسكن العرش بتلك الكتابة لنيل آثار كمال أعده اللّه تعالى له . فمن بدء النظرات إلى الجوهرة وتغير أحوالها في أطوار مختلفة كان اللّه تعالى وتبارك في تهيء أسباب القالب الإنساني وتسويته كل يوم هو في شأن ، كما مر بعض شرحها في الفصول المتقدمة ، فلما أتى أوان تخمير طينة القالب الإنساني بعث إلى الأرض عزرائيل - عليه السلام - بعد ما رجع جبريل وميكائيل - عليهما السلام - ، كما جاء في الحديث : فأخذ عزرائيل قبضة تراب سلها من جميع وجه الأرض وطرحها وسط الأرض وهو بين مكة والطائف ؛ لأنه جذبها من أطراف الأرض ونواحيها إلى وسطها وسرتها ، وكان عزرائيل يومئذ يتولى القبضة ولم يعبأ بشكات الأرض ممّا نقص منها ، كما في الحديث كذلك يتولى قبض الأرواح من أجسادها إلى القيامة حتى يرد جميع ودائع الأرض إليها ، كما قال تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [ طه : 55 ] الآية . فما من أحد إلا ويدفن في التربة التي خلق منها على ما جاء في الحديث ولما نظر اللّه سبحانه إلى الأرض بعد خلقها نظر الرحمة كان الذي قبضه عزرائيل من الذرات بمواقع نظرة اللّه تعالى وهي أديم الأرض كلها ، ولجلدة الأرض ظاهر وباطن يسمى ظاهرها بشرة وباطنها أدمة يسمى المخلوق منها آدم باعتبار خلقه من أدمة الأرض وهي طرف جلدتها بما يلي الباطن ، وسمى بشرا باعتبار خلقه من بشرتها الظاهرة فقال تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ ص : 71 ] . وفيه نكتة : وهي أن ذرات بشرة الأرض ظاهرة وذرات أدمتها باطنة فكانت البشرية من الإنسان عبارة عن الصورة الظاهرة وآدميته عبارة عن أخلاقها الحميدة في الباطن . وقال محمد بن عبد اللّه الترمذي : في كتاب « غور الأمور » : إن إبليس كان يمشي على وجه الأرض فبعض مواضع الأرض مس قدمه وصار موطىء رجله ، وبعضها صار بين قدميه ، وبعضها لم يصل إليه قدمه ولا ظله ، فالنفس الباطنة خلقت من تراب قدميه ، والنفس الظاهرة ، يعني القالب ، خلقت مما بين قدميه حيث سار فيه ظله ، وخلق القلب من تراب لم يصل إليه قدم إبليس ، لعنه اللّه ، ولا ظله وهو التراب المنظور إليه نظر الرحمة ، قال : وهذا مثل آدم - عليه السلام - لما أهبط إلى الأرض جال جميع الدنيا فما وطىء عليه قدمه نالته رحمة وبركة فصار بلدة ومدينة ، وما كان بين قدميه من الأرض صار قرى وسبلا ، وما لم تصل إليه من الأرض صار مفاوز .